الشيخ محمد رشيد رضا
334
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والحال أنه هو مؤمن كالحارث بن يزيد كان من قريش وهم أعداء للنبي ( ص ) والمؤمنين يحاربونهم وقد آمن ولم يعلم المسلمون بايمانه لأنه لم يهاجر وانما قتله عياش في حال خروجه مهاجرا لأنه لم يعلم بذلك . ومثله كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بايمانه إذا قتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ اي فالواجب على قاتلة عتق رقبة من أهل الايمان فقط ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على عداوتهم وقتالهم وقيل إن ديته واجبة لبيت المال ، ولو صح هذا لما سكت عنه الكتاب في معرض البيان وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم المعاهدون لكم على السلم لا يقاتلونكم ولا تقاتلونهم كما عليه الدول في هذا العصر كلهم معاهدون قد أعطى كل منهم للآخرين ميثاقا على ذلك وهو ما يعبر عنه بالمعاهدات وحقوق الدول ومثلهم أهل الذمة بعموم الميثاق أو بقياس الأولى فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فالواجب في قتل المعاهد والذمي هو كالواجب في قتل المؤمن : دية إلى أهله تكون عوضا عن حقهم ، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق اللّه تعالى الذي حرم قتل الذميين والمعاهدين ، كما حرم قتل المؤمنين ، وقد نكر الدية هنا كما نكرها هناك وظاهره انه يجزئ كل ما يحصل به التراضي وان للعرف العام والخاص حكمه في ذلك ولا سيما إذا ذكر في عقد الميثاق ان من قتل تكون ديته كذا وكذا فان هذا النص أجدر بالتراضي واقطع لعرق النزاع . وسيأتي ما ورد من الروايات المرفوعة والآثار في ذلك وقد قدم هنا ذكر الدية وأخر ذكر الكفارة وعكس في قتل المؤمن ولعل النكتة في ذلك الإشعار بان حق اللّه تعالى في معاملة المؤمنين مقدم على حقوق الناس ولذلك استثنى هنالك في امر الدية فقال « إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا » لأن من شأن المؤمن العفو والسماح ، واللّه يرغبهم فيما يليق بكرامتهم ومكارم أخلاقهم ، ولم يستثن هنا لأن من شأن المعاهدين المشاحة والتشديد في حقوقهم ، وليسوا مذعنين لهداية الاسلام فيرغبهم كتابه في الفضائل والمكارم ، وثم نكتة أخرى وهو ان